السيد محمد تقي المدرسي
59
في رحاب بيت الله
السلام يعرف تماماً ماذا تعني هذه الرحلة ، إذ كان يقف بين نخيلات بني النجار ويقول متعذباً : " آهٍ آهٍ من وحشة الطريق . . ومن طول السفر ، آهٍ آهٍ من قلة الزاد " « 1 » كان يبكي كالواله حتى يقع مغشياً عليه . . في هذه الرحلة الطويلة ، ماذا يراد أن يفعل بنا ؟ ترى ما هو الموت وحشرجته وسكراته ، وماذا يعاني منها الإنسان ؟ ! ترى ما هو القبر والبرزخ الذي قد يفصلنا بملايين السنين عن البعث ثم يوم القيامة والحساب ؟ ! لقد كان إمامنا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كثير البكاء ، حتى عند وفاته ، ولما سئل عن سرّ بكائه وهو سيد شباب أهل الجنة وسبط الرسول الأول ، قال : " أبكي لخصلتين : لفراق الأحبّة ولهول المطّلع " « 2 » . أي أن سيد شباب أهل الجنة كان يحذر كل الحذر من لحظة القيام والطلوع من القبر باتجاه البعث . . وإنها لفرصة ثمينة جداً لي ولك أيها الحاج - إذ نرتدي ملابس الإحرام ، فنتمثل لحظة موتنا وتكفيننا ثم خروجنا من قبرنا إلى مبعثنا واتجاهنا إلى ساحة الحشر في يوم القيامة . يقول الله سبحانه : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( النساء / 64 ) . ومن المعلوم أنه لا يجد أحداً شيئاً لم يكن قد أضاعه من قبل ، والإنسان - بطبيعته - حينما يقترف الذنب بعد الذنب فإنه سيضيع الطريق إلى الله عز وجل . ولكنه إذ يعود إلى
--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 40 ، ص 345 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 6 ، ص 160 .